صوتٌ خرج من قلب الألم ليبقى صدىً للحسين (عليه السلام) ما بقي الليل والنهار.
وُلد عام ١٩٥٣ في قضاء طوز خورماتو التابعة لمحافظة صلاح الدين، في بيئةٍ تشبّعت بحب أهل البيت عليهم السلام، فكان الحسين عليه السلام أول حكايةٍ سمعها، وأول دمعةٍ نزلت من عينيه، وأول طريقٍ اختاره بملء إرادته. لم يكن قد تجاوز الرابعة عشرة من عمره حين بدأ مسيرته الحسينية، لكنه كان يحمل قلب رجلٍ نذر نفسه للمنبر قبل أن تكتمل ملامحه.
في أيام محرم الحرام، كان الحاج علي ينصب چادر العزاء أمام داره، فتتحول الأزقة إلى كربلاء صغيرة، وكان عدنان الفتى يقف هناك بخشوعٍ وهيبة، يتعلّم كيف تكون الخدمة، وكيف يكون الصوت أمانة. وكان الشيخ غلام، القادم للتبليغ من مرجعية النجف الأشرف إلى طوز خورماتو، من أبرز الداعمين لمسيرته، يزرع في نفسه الثبات، ويغذّي روحه بروح النجف وعطرها.
كانت أول قصيدة قرأها مقتل أبي الفضل العباس عليه السلام، فارتجف صوته وهو يذكر الساقي العطشان، وكأن العباس أخذ بيده يومها وقال له: سر… فهذا طريقك. ومنذ ذلك اليوم، لم يفارق المنبر. قرأ في تكية السيد حسين عام ١٩٦٩، وفي جامع الإمام علي عليه السلام، وفي جامع الإمام أحمد عليه السلام، وصار اسمه يقترن بالمجلس كما يقترن الأذان بالفجر.
نهل من كتاب سحاب الدموع باللغة التركمانية، وتأثر بصوت ملا إبراهيم جوجة وملا أكرم موسى من قضاء داقوق التابعة لمحافظة كركوك، وكان حضوره في مواكب الزنجبيل في عاشوراء حضور العاشق الذي لا يهدأ قلبه إلا مع لطم الحسين وذكر مصابه. تنقل بين القرى المحيطة بقضاء طوز خورماتو، من ينكجة إلى بسطاملي إلى آمرلي، يحمل صوته رسالة، ويحمل دمعته أمانة.
كان محبوباً بين الناس، قريباً من القلوب، يقرأ القرآن في مجالس العزاء بلا مقابل، وكأن أجره الحقيقي دمعة أمٍ ثكلى، أو تنهيدة أبٍ مكلوم. لم تكن القراءة عنده مهنة، بل عبادة، ولم يكن المجلس مناسبة، بل ميثاقاً بينه وبين الحسين.
وحين استلم الحكم البعثي الصدامي السلطة، وبدأ منع إقامة مجالس العزاء، دخلت المحنة فصلها القاسي. استُشهد له إخوة في معركة القادسية، فاجتمع عليه وجع الفقد ووجع المنع. استُدعي مرات عدة إلى الأمن العامة، وتعرض للحجز لساعات، وأُخذت منه تعهدات بعدم مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، والاكتفاء بذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لكن كيف يُفصل عليٌّ عن الحسين؟ وكيف يُمنع القلب من نبضه؟
استمر في نهجه، ثابتاً لا ينحني، صابراً لا يساوم. كان عسكرياً مضمدًا في الجيش، يضمد جراح الجنود بيد، ويضمد جراح القلوب بصوته في المجالس باليد الأخرى. وبعد سقوط الحكم عام ٢٠٠٣ أُحيل إلى التقاعد، لكن تقاعده كان من الوظيفة لا من الخدمة.
وفي عام ٢٠٠٤ فقد بصره، تأثراً بحزنه الشديد على إخوته الشهداء، فأظلمت الدنيا في عينيه، لكن نور الحسين في قلبه لم ينطفئ. فقد البصر، ولم يفقد البصيرة. استمر يقرأ القرآن الكريم، وكأن الآيات صارت ترى عنه، وصار يسمع بنور القلب ما لا تراه العيون.
اليوم، وقد بلغ من العمر ثلاثة وسبعين عاماً، ما زال اسمه مقترناً بخدمة المنبر الحسيني، شاهداً على زمن القمع، وحارساً لذاكرة العزاء في طوز خورماتو.
في تاريخ ٢٠٢٦/٢/٢٢ كانت الزيارة إلى داره، لا لزيارة رجلٍ مسنّ، بل لزيارة مرحلة كاملة من تاريخ الصبر الحسيني، لزيارة صوتٍ لم تكسره السجون ولا التعهدات ولا العمى، لأنه تعلّم من الحسين أن الطريق إلى الله يُبصر بالقلب قبل العين.