قلمٌ حسيني وصوتُ ولاء لا ينكسر
في طوزخورماتو، المدينة التي تنبض بحبِّ أهل البيت عليهم السلام، وُلد عام ١٩٣٨ رجلٌ قُدّر له أن يجمع بين المنبر والقلم، وبين العزاء والفكر، فكان اسمه عباس عرب خماس البياتي، وكان نهجه نهج الحسين (عليه السلام.)
نشأ في عائلةٍ مثقفةٍ محبةٍ لأهل البيت، فتفتحت روحه على صوت القرآن ورائحة المجالس الحسينية، ومنذ عام ١٩٥٧ بدأ مسيرته الدينية في بيوت المؤمنين والتكايا، حيث كانت المجالس تُقام ببساطة القلوب وصدق الدموع، هناك تشكل صوته، ونما إحساسه، وأخذ يخطو خطواته الأولى في خدمة الشعائر.
وفي عام ١٩٦٤ بدأ القراءة في جامع رسول الأعظم بطوزخورماتو، في وقتٍ كان فيه شيخ محمد إبراهيم وشيخ محمد كنجي – القادم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية – من الحاضرين في تلك الأجواء الإيمانية، كان يقرأ شيئاً فشيئاً، يتقدم بثقة وثبات، خاصة عند غياب ملا عمران، فيتلو القرآن الكريم، ويقرأ الأدعية في شهر رمضان المبارك، ويرفع صوته بدعاء السحر في لياليه الروحانية، فتخشع القلوب وتدمع العيون.
ولم يكن حضوره مقتصراً على رمضان، بل كان من وجوه المواكب في أيام محرم الحرام، يشارك في مواكب “الزنجبيل”، مستلهماً من كتاب “قمري” ومن أشعار الرواد، فيصدح بالحزن الحسيني، ويستحضر كربلاء في كل بيتٍ وكل زقاق. كان يرى أن خدمة الحسين ليست مجرد كلمات تُقال، بل موقفٌ يُعاش، ورسالةٌ تُحمل.
وحين تسلّم الحكم البعثي الصدامي السلطة، وبدأت مرحلة منع مجالس العزاء لأبي عبد الله الحسين عليه السلام، لم يسلم من المضايقات. تعرّض للاستدعاءات والضغوط، وضُيّق عليه مراراً، حتى انتهى به الأمر إلى النفي نحو مدينة الرمادي. لكنه لم يحمل في قلبه إلا مزيداً من الإصرار، ولم يزده البعد إلا تمسكاً بالطريق. كان يعلم أن طريق الحسين محفوفٌ بالتضحيات، وأن المنفى أهون من التنازل.
إلى جانب مسيرته الحسينية، كان خريج كلية التربية، فجمع بين العلم والولاء. لم يكتفِ بالصوت في المجالس، بل حمل القلم ليؤرّخ، فكتب عن تاريخ طوزخورماتو، وعن ذاكرتها الشعبية، وعن قيمها. ومن أبرز مؤلفاته: “عبرت”، “حكمت”، “كونل سوزو”، “بالعلم نسمو”، “مثلي لا يبايع مثلك”، و“ذكريات أيام زمان في طوز خورماتو”. كانت كتاباته امتداداً لمنبره، تنبض بالفخر، وتحفظ الذاكرة، وتؤكد أن المدينة التي تحب الحسين لا تموت.
ولأنه أدرك أن الثقافة حصنٌ منيع، أسس مكتبة الإمام الصادق عليه السلام في طوز، لتكون منارة علمٍ ومعرفة، ومكاناً يلتقي فيه الفكر بالإيمان، ويُصان فيه التراث من الضياع.
وفي يوم الأحد ٢٢/٢/٢٠٢٦ كانت زيارته في داره مناسبةً لاستحضار هذه السيرة المضيئة، سيرة رجلٍ عاش للحسين صوتاً، وللطوز قلماً، وللأجيال قدوة.
عباس عرب خماس البياتي لم يكن مجرد قارئٍ أو كاتب، بل كان مشروعَ وعيٍ حسيني، جمع بين حرارة الدمع وعمق الفكر، وبين المنبر والكتاب. عاش وفيّاً للشعيرة، ثابتاً في زمن المنع، معتزاً بمدينته، حاملاً لواء “مثلي لا يبايع مثلك” قولاً وفعلاً.
حفظه الله وأدام أثره، وجعل كل حرفٍ كتبه، وكل آيةٍ تلاها، وكل دمعةٍ سكبت في مصاب الحسين عليه السلام نوراً في ميزان حسناته…
فهو من أولئك الذين إذا ذُكر الحسين ذُكروا معه وفاءً وثباتاً.