في قلب محافظة كركوك، وعلى امتداد الجغرافيا التي اختبرت الصبر والهجرة والانتظار، تقف قرية تركلان شاهدةً على حكاية إيمانٍ لا تنطفئ، وولاءٍ متجذرٍ لأهل البيت عليهم السلام، حكاية كُتبت بدمعةٍ وصوتٍ خافتٍ في البيوت، ثم ارتفعت شيئًا فشيئًا لتصبح ذاكرةً جمعية لا تُمحى.
يعود وجود الشيعة في تركلان إلى بدايات ستينات القرن الماضي، حين كان أهل القرية يحيون موسم عاشوراء بوسائل بسيطة، لكنها عميقة الأثر في الروح. كانوا يقطعون الطريق نحو قرية بشير أو تسعين لإحياء المراسم الحسينية، يمشون أو يستقلون ما تيسر من وسائل النقل، وكأن الطريق نفسه كان مجلس عزاءٍ ممتدًا من القرية إلى كربلاء المعنى.
ومن لم يستطع الوصول، كان يحوّل بيته إلى مجلسٍ صغير، تُشعل فيه حرارة المصيبة عبر مسجلات صوتية تنقل المقتل والندب، فتتحول الجدران إلى منبر، والبيت إلى كربلاء مصغّرة، والدمعة إلى لغة مشتركة بين الجميع.
ثم جاءت ثمانينيات القرن الماضي، حاملة معها واحدة من أقسى صفحات الذاكرة؛ إذ تعرّض أهالي القرية إلى التهجير القسري إلى مجمعات ذي قار، بسبب انتمائهم العقدي وارتباطهم العاطفي بأهل البيت عليهم السلام. كانت سنوات ثقيلة، امتزج فيها المنع بالمضايقة، ومحاولة إسكات الصوت الحسيني من قبل السلطة البعثية آنذاك.
لكن ما لم يُدركه القمع، أن الصوت الذي يسكن القلب لا يُصادر، وأن عاشوراء ليست مناسبة تُلغى بقرار، بل هوية تُولد من جديد في كل ظرف.
ومع تغير الزمن بعد عام ٢٠٠٣، عادت المجالس الحسينية لتتنفس من جديد في تركلان، وكأن القرية تستعيد صوتها الذي حُبس طويلًا. في بيت عبد الأمير بدأت المجالس تعود تدريجيًا، يتقدمها ملا محمد حنفة الذي أصرّ على إبقاء الشعلة حيّة، لتُستأنف المآتم من جديد، لا كذكرى فقط، بل كهوية متجددة.
ارتفعت أصوات الرواديد: أوميد حيدر، إبراهيم حيدر، وعبد الواحد الصابر، يقرؤون المجالس الحسينية بنبرةٍ تحمل وجع السنين وصدق الانتماء، فتتداخل الأصوات مع الدموع، ويصبح المجلس مساحةً لإحياء الذاكرة قبل إحياء المأساة.
كما حضر في هذا المشهد الخدمي والديني: شيخ مهدي، شيخ مهند، وسيد الأمير، ليواصلوا دعم المجالس وإحياء الشعائر، سواء داخل ناحية تركلان أو في رحاب كربلاء المقدسة خلال زيارة الأربعين، حيث يذوب المكان في معنى الحسين عليه السلام.
لم تعد القصة محصورة داخل جدران البيوت، بل امتدت إلى طرقات الزيارة، إلى الأربعين، حيث يلتقي أبناء تركلان مع ملايين الزائرين، كأنهم يعيدون وصل ما انقطع، ويؤكدون أن الطريق إلى كربلاء ليس مسافة، بل عهد.
واليوم، تُقدَّر في قرية تركلان حوالي ١٠٠ بيت شيعي، ما زالت تحمل هذا الإرث وتورثه للأبناء، جيلاً بعد جيل، كأمانة لا تُنسى، وكصوتٍ يقول: إن الحسين عليه السلام لا يُذكر فقط في يوم، بل يُعاش في كل زمن.
توثيق هذه الزيارة في ١ يونيو ٢٠٢٦ – الاثنين جاء على لسان عبد الأمير شاكر تركلان (مواليد ١٩٦٦)، ليبقى هذا السجل شاهدًا على قريةٍ لم تنكسر، بل صاغت من الألم تاريخًا، ومن الصمت صوتًا، ومن المحنة وفاءً لا ينتهي.