الاسم: الإمام سعد بن عقيل بن أبي طالب (عليه السلام)
الكنية: أبو سعد
المعروف: الإمام سعد بن عقيل (عليه السلام)
يُعدّ مرقد الإمام سعد بن عقيل بن أبي طالب (عليه السلام) من المزارات التاريخية والدينية المعروفة في مدينة تلعفر، وقد ارتبط اسمه بتراث المدينة وذاكرتها الدينية عبر قرون طويلة.
وقد ورد اسم الإمام سعد بن عقيل في النقوش والسجلات المتعلقة بالمرقد، كما عُرف هذا الاسم لدى الخاصة والعامة، ومن أقدم الشواهد التاريخية الباقية النقش الموجود على حجر من المرمر في المرقد الشريف، والذي يعود تاريخه إلى سنة ٥٣٧هـ.
نسبه وسيرته
تذكر الروايات والسير المتداولة أن الإمام سعد بن عقيل (عليه السلام) كان من الشخصيات المرتبطة بأهل البيت (عليهم السلام)، وأنه تولّى ولاية الجزيرة في عهد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وظل قائمًا بأمر الولاية في عهده.
وبعد استشهاد أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) سنة ٤٠هـ، وانتقال الحكم إلى معاوية بن أبي سفيان، ثم إلى الفرع المرواني، استمر سعد بن عقيل في موقفه المدافع عن حقوق أهل البيت (عليهم السلام).
وتذكر الروايات أنه جرت مناقشات بينه وبين الولاة الأمويين بشأن ولاية الجزيرة، ثم أُعيد إلى ولايته في أيام خلافة عمر بن عبد العزيز، وبقي فيها مدة سنتين.
ثم توفي رحمه الله، ودُفن في داره التي كانت مقرًا لإمارته، في الموضع الذي عُرف فيما بعد باسم تلعفر، ويُقال إن تسمية الموضع قديمة، وقد وردت في بعض المصادر بصيغ مختلفة.
تاريخ المرقد الشريف
كان الموضع الذي يقوم عليه المرقد الشريف في الأصل دارًا للإمام سعد بن عقيل (عليه السلام)، وكان يجلس فيها لإدارة شؤون المدينة والولاية.
ويُرجَّح أن أصل البناء يعود إلى القرن الأول الهجري، ثم تعاقبت عليه أعمال الترميم والتجديد خلال العصور اللاحقة.
ومن أبرز الشواهد التاريخية على قدم المرقد حجر الأساس المرمرّي الذي يحمل نقشًا مؤرخًا بسنة ٥٣٧هـ، وهي الفترة التي كانت فيها المنطقة ضمن نفوذ الدولة العمادية الزنكية في القرن السادس الهجري.
ويرى بعض المؤرخين أن هذا الترميم قد يكون متزامنًا مع أعمال عمرانية كبيرة شهدتها المنطقة في عهد نور الدين زنكي، ومنها المنشآت الدينية والعمرانية في الموصل.
كما تشير الروايات المحلية إلى وجود مسجد وبئر للماء بالقرب من القبر الشريف، وأن المنطقة المحيطة بالمرقد تحولت في مرحلة لاحقة إلى مقبرة لأهالي المدينة.
المرقد عبر العصور
تعرض المرقد الشريف، شأنه شأن كثير من المعالم التاريخية في تلعفر، إلى مراحل متعددة من الترميم والتجديد، كما مرّ بفترات من الإهمال، إلا أن مكانته الدينية بقيت حاضرة في وجدان أهالي المدينة.
ويمثل المرقد اليوم شاهدًا على عمق الوجود الديني والتراثي لأهل البيت (عليهم السلام) في تلعفر، وعلى امتداد الذاكرة المحلية التي حفظت هذا المكان جيلاً بعد جيل.
ويُعدّ النقش المؤرخ بسنة ٥٣٧هـ من أهم الشواهد المادية التي تساعد في توثيق تاريخ البناء، إذ يقدم دليلًا على وجود منشأة قائمة حول القبر الشريف منذ أكثر من ثمانية قرون.
المرقد الشريف للإمام سعد بن عقيل (عليه السلام) ليس مجرد بناء تاريخي، بل هو جزء من ذاكرة تلعفر الدينية والحضارية، وشاهدٌ على تعاقب الأجيال وبقاء محبة أهل البيت (عليهم السلام) في هذه المدينة.
نعم، تُضاف هذه الفقرة إلى السيرة، والأفضل وضعها بعد فقرة «المرقد عبر العصور»، مع صياغتها بصورة مرتبة وتوثيقية:
مساحة المرقد والتجاوزات على أوقافه
وعلى الرغم من التجاوزات التي لحقت بأوقاف المرقد الشريف خلال الحقب الماضية، فإن المساحة المحيطة بالمرقد وساحته المجاورة لا تزال واسعة، وإن كانت غير منتظمة بسبب التجاوزات والدور السكنية المحيطة بها. وتبلغ المساحة المغلقة بسياج خارجي ما يزيد على (٦٠٠٠م²)، أي ما يقارب ثلاثة دونمات، فيما يبلغ طول السياج من الجهة الشمالية نحو (٧٠م)، ويمتد كذلك على الجانبين الشمالي والغربي. أما الجهة الشرقية فتحدّها الدور السكنية، في حين لا يوجد للجهة الجنوبية سياج مستقل.
أما مساحة بناء المرقد الشريف فتبلغ نحو (١٢٠٠م²)، ويتكوّن البناء القديم من خمسة أواوين، إضافة إلى الصحن الذي أُضيف إليه في العهود المتأخرة، فأصبحت ساحته على شكل مثلث تقريبًا نتيجة التجاوزات العمرانية المحيطة به.
مراحل الإعمار في العهد الحديث
شهد المرقد الشريف خلال العهود الحديثة عدة أعمال ترميم وتجديد، ولا سيما في الأعوام ١٩٤٧م، ١٩٦٤م، ١٩٨٦م، ١٩٩١م، و٢٠٠٤م، إذ كان القائمون على خدمة المرقد يسعون بصورة مستمرة إلى تجديد بنائه وتوسعته بما يتناسب مع أعداد الزائرين والوافدين.
غير أن السلطات البعثية حالت دون استحصال الموافقات الرسمية اللازمة لتنفيذ كثير من هذه الجهود، فبقيت أعمال الإعمار محدودة ومتعثرة حتى سقوط النظام البعثي.
وبعد سقوط النظام سنة ٢٠٠٣م، وفي سنة ٢٠٠٤م، بدأت أعمال إعمار المرقد بصورة أكثر انتظامًا، اعتمادًا على التبرعات والجهود التطوعية والإمكانات الذاتية للقائمين على المزار وأبناء مدينة تلعفر، رغم الظروف الصعبة التي مرت بها المدينة. وإلى جانب أعمال البناء والإعمار، بذل أبناء المدينة جهودًا في خدمة المزار وحراسته وحمايته من الجماعات الإرهابية، واستمرت أعمال الإعمار بوتيرة متدرجة حتى وصلت إلى مرحلة متقدمة في سنة ٢٠١٤م.
جريمة داعش بحق المرقد الشريف
وفي حزيران/يونيو ٢٠١٤م، وبعد سقوط مدينة تلعفر بيد عصابات تنظيم داعش الإرهابي، تعرضت المزارات والحسينيات والمساجد والمراقد الدينية، فضلًا عن المواقع الأثرية والتاريخية في المدينة، إلى أعمال تدمير وتخريب ممنهجة.
وكان مرقد الإمام سعد بن عقيل بن أبي طالب (عليه السلام) من بين الأماكن التي طالها هذا العدوان؛ إذ أقدمت عصابات داعش على تفجير المرقد وتدميره ونهب محتوياته وجرف أجزاء من تربته وآثاره، في جريمة استهدفت معلمًا دينيًا وتاريخيًا ارتبط بذاكرة أهالي تلعفر عبر قرون طويلة.
وقد وقع الاعتداء على المرقد الشريف بتاريخ ٢٥/٦/٢٠١٤م، حيث جرى تدمير أجزاء كبيرة منه ومحتوياته، في إطار حملة استهدفت المزارات والحسينيات والمقامات المنسوبة إلى الأنبياء والأولياء والصالحين وأهل البيت (عليهم السلام)، بذريعة التكفير والبدعة، متجاهلين القيمة الدينية والتاريخية والحضارية لهذه المعالم.
وهكذا بقي مرقد الإمام سعد بن عقيل (عليه السلام) شاهدًا على تاريخ تلعفر وعمق ارتباط أهلها بأهل البيت (عليهم السلام)، كما أصبح ما تعرض له من تدمير شاهدًا آخر على حجم الخسارة التي لحقت بالتراث الديني والتاريخي للمدينة خلال تلك المرحلة.
بالتأكيد، تُضاف هذه الفقرة بعد فقرة «جريمة داعش بحق المرقد الشريف»، لتوثيق مرحلة العودة والإعمار بصورة متسلسلة:
إعادة إعمار المرقد الشريف بعد التفجير
بعد تحرير مدينة تلعفر من عصابات داعش الإرهابية، بدأت العوائل النازحة بالعودة تدريجيًا إلى المدينة، وكان منتسبو المرقد الشريف من أوائل العائدين، حيث بادروا إلى تفقد المزار والعمل على رفع أنقاضه وتنظيف ساحته بعد ما تعرض له من تفجير وتدمير.
وفي ٤/٢/٢٠١٨م، انطلقت أعمال رفع الأنقاض وتنظيف المزار بصورة فعلية، وبجهود استثنائية من القائمين على خدمته، وبالتعاون مع الجهات الساندة. كما أسهمت هيئة الحشد الشعبي في رفع الكتل الكونكريتية والأنقاض من ساحة المزار، وبُذلت جهود كبيرة لإعادة المكان إلى ما كان عليه.
ومن جهة أخرى، وبهدف الحفاظ على ما تبقى من البناء التاريخي، باشرت الأمانة العامة للمزارات الشيعية الشريفة التابعة لديوان الوقف الشيعي بإعادة إعمار البناء القديم، ولا سيما السرداب، الذي يُعد من الأجزاء المهمة في المرقد الشريف، وتبلغ مساحته أكثر من ٣٠٠م²، إلى جانب الضريح الشريف والأواوين التابعة له.
وقد تم، بفضل الله تعالى، وبجهود الأمانة العامة للمزارات الشيعية الشريفة، ومساهمة بعض المؤمنين والمتبرعين من أهل الخير، إعادة إعمار البناء القديم وترميمه بصورة أفضل مما كان عليه سابقًا، مع الحرص على الحفاظ على طابعه التاريخي وعدم طمس معالمه القديمة.
ونظرًا إلى القيمة التاريخية للبناء، الذي يعود عمره إلى أكثر من ألف عام، فقد جرى العمل على إيجاد تصميم مناسب لهيكل إنشائي جديد يُقام فوق البناء القديم، بهدف حمايته من الاندثار والحفاظ عليه بوصفه معلمًا تاريخيًا ودينيًا مهمًا، فضلًا عن أن الهيكل الجديد سيسهم في استيعاب أعداد أكبر من الزائرين.
ولهذا الغرض، أُعدّت الكشوفات والتصاميم الهندسية اللازمة من قبل الأمانة الخاصة بالمزار، وتمت الموافقة عليها وتقديمها إلى الأمانة العامة للمزارات الشيعية الشريفة للمباشرة بالمشروع الإنشائي الجديد.
وبفضل الله سبحانه وتعالى، بلغت نسبة الإنجاز ما يقارب ٩٥%، وتم في ٢٠/١٢/٢٠١٩م إكمال بناء القبة الكونكريتية، ولم يتبقَّ من المشروع إلا بعض الأعمال والإجراءات اللازمة، وقد تم استحصال الموافقات المطلوبة للمباشرة بها بتاريخ ٩/١/٢٠٢١م.
وهكذا بدأت صفحة جديدة في تاريخ المرقد الشريف؛ فبعد أن حاول الإرهاب محو معالمه وتاريخه، عاد أبناء تلعفر ومحبو أهل البيت (عليهم السلام) ليعيدوا بناءه، محافظين على أصالته التاريخية وهويته الدينية، ليبقى شاهدًا على صمود المدينة ووفائها لتراثها ومقدساتها.