في القرى التي تُنبت الولاء، وتُسقى بدموع محبي الحسين (عليه السلام)، يولد رجالٌ لا تُخلّدهم الكلمات… بل تُخلّدهم المجالس التي عمروها، والدموع التي أيقظوها في القلوب…
هنا، في قرية جرداغلي، وُلد عام ١٩٢٩م رجلٌ حمل راية العزاء بصدقٍ وإخلاص…
إنه خادم الحسين (عليه السلام): الملا باقر إسماعيل.
نشأ في بيتٍ موالٍ، تحت رعاية والدته العلوية السيدة گلجين بنت السيد حسن، التي ربّته على حب أهل البيت (عليهم السلام) بعد فقدان والده، فكان لذلك الأثر العميق في تكوين شخصيته الحسينية.
في بيتهم البسيط، كانت المجالس تُقام، وكان صوت النعي يُرفع، وكان أخوه الملا (نقي) أحد أعمدة العزاء في القرية… حتى جاء يومٌ حزين، في الخامس من محرم، حيث رحل (نقي)، لكن الأم العلوية وقفت موقفاً عظيماً، ورفضت أن يُقام له مجلس قبل أن تُستكمل عزاءات الإمام الحسين (عليه السلام)… لتُعلّم أبناءها أن الحسين هو البوصلة، وهو الأول دائماً.
ومن هنا بدأت الحكاية…
حين خلت الساحة من قارئٍ وناعٍ، لم تسمح تلك الأم أن ينطفئ صوت الحسين في بيتها، فأرسلت ولدها (باقر) ليتعلم القراءة الحسينية.
كان يرعى الغنم نهاراً… ويحفظ القصائد ليلاً…
كان التعب جسده، لكن الحسين يسكن قلبه…
كبر الفتى، وكبر معه صوت العزاء… حتى ضاق البيت بأهله ومحبيه، فقرر أن يبني حسينية… رغم الفقر، رغم قلة الإمكانيات، رغم صعوبة الحياة.
وفي ليلةٍ مباركة، رأى رؤيا تُبشّره:
“قم ببناء الحسينية… فقد جرى الماء إليكم”
استيقظ مؤمناً، وبدأ الاستعداد… وفي مشهدٍ عجيب، عاد من رعيه ليرى الماء يصل باب داره في نفس اللحظة… وكأن السماء تقول له: امضِ… نحن معك.
ومن الطين، وبسواعد البسطاء، وبقلوبٍ امتلأت حباً للحسين، وُلدت حسينية الإمام محمد الباقر (عليه السلام) عام ١٩٦٩م…
لم تكن مجرد بناء… بل كانت منبراً للولاء، ومدرسةً خرّجت أجيالاً من القرّاء والرواديد.
وجاءت سنوات القمع…
حين ضيّق النظام البعثي الخناق على الشعائر الحسينية، لم يتراجع الملا باقر… بل ازداد تمسكاً…
أقام العزاء خفيةً، متحدياً الخوف، متحملاً الملاحقة، رافضاً أن يُطفأ نور الحسين في قريته…
لم يترك موسماً… لم ينقطع صوت… لم تخمد راية…
حتى بقيت الحسينية منارة، وتخرج منها قرّاء حملوا الرسالة إلى كل أرجاء القرية وما بعدها.
وفي ١٧ / ٣ / ٢٠٠٧م، رحل الملا باقر إسماعيل إلى جوار ربه، عن عمرٍ ناهز ٧٨ عاماً…
لكن صوته لم يرحل…
ومجلسه لم ينطفئ…
وأثره بقي حيّاً في القلوب