تُعد تكية بابالر من التكايا التابعة للطريقة الصفوية، وتقع في قضاء داقوق ضمن محلة الأيلخاني. وتمتد جذورها التاريخية إلى الشيخ الصوفي صفّي الدين الأردبيلي، مؤسس الطريقة الصفوية وجدّ سلاطين الدولة الصفوية في أردبيل، والذي كان له عدد كبير من الأتباع والمريدين من الدراويش المنتشرين في مختلف المناطق.
وبحسب ما هو متداول، فإن لتكية بابالر كتاباً يثبت قدمها وأصالتها ضمن التكايا القديمة في داقوق. إذ إن لكل طريقة صوفية كتاباً يضم تعاليمها وأصولها وآدابها، ويُعرف باسم “المناقب” أي المآثر والكرامات، كما يشار إليه أحياناً بـ”فقه العقيدة”. أما الطريقة الصفوية فلها كتاب يُسمى “بويورق” أي الأمر الواجب التطبيق، وقد تُرجم إلى اللغة العربية.
وسُمّيت التكية باسم “بابالر” وهو لفظ تركماني جمع لكلمة “بابا”، ويُطلق على شيخ التكية الذي يصل إلى مرتبة المشيخة بعد سنوات طويلة من السلوك الصوفي والتدرج في المعرفة الروحية والرموز الباطنية. ومفردها في العربية “بابا”، ويقابلها جمع باباوات أو بايوات، ولهذا تُعرف كل شخصية من شيوخ هذه العائلة بلقب “بابا” قبل اسمها.
ويُذكر أن أول من أسس التكية وحمل لقب “بابا” فيها هما الشيخ محمود وشيخ آخر من عائلة شيخلر الموسوية، حيث توجها إلى مدينة أردبيل للدراسة في مدرسة دار الإرشاد، وهي المدينة التي عُرفت بأسماء متعددة مثل: دار الإرشاد، دار الملك، دار الغفران، ودار الأمان. وقد اكتسبت قدسية خاصة لوجود مقبرة أجداد الصفويين فيها.
وفي عهد تيمور سُمّيت “دار الإرشاد”، وفي العهد الصفوي عُرفت باسم “دار الأمان”. وقد درس الشيخان فيها العلوم الشرعية والدينية والأخلاقية، إضافة إلى العلوم الروحية (علم الباطن)، حتى وصلا إلى مرتبة الزهد والروحانية، ثم عادا بعد إكمال دراستهما وحملا لقب “بابالر”.
تاريخ التأسيس والتطور
تشير النقوش الموجودة على باب التكية إلى أن تأسيسها كان سنة ١٢١٥هـ / ١٨٠٠م، بينما يفيد القائمون عليها حالياً بأنها تعود إلى سنة ١٢٢٨هـ / ١٨١٣م.
وقد تعاقب على إدارتها عدد من أفراد العائلة، وكان من أبرزهم الشيخ بابا حسن الذي أعاد بناءها بالطين وسقفها بالخشب والحصران. كما جرت عليها أعمال ترميم وصيانة متكررة على يد أبنائه: بابا زين العابدين، بابا حسين، بابا عباس، بابا قاسم، وبابا شيخ موسى.
وتُعد عائلة بابا موسى من العوائل التي حافظت على هذا النهج الصوفي ذي الطابع الصفوي، الذي يجمع بين التصوف والتشيع، ويرى أن طريق أهل البيت (عليهم السلام) هو أقرب الطرق إلى الله عز وجل.
النشاط الديني والاجتماعي
تُقام في التكية مراسيم وشعائر حسينية تبدأ من شهر محرم وتنتهي في أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام). وقد تولى إدارتها عدد من الشيوخ، منهم بابا طالب بن بابا موسى، وأخوه بابا جنيد الذي ترك أبياتاً شعرية باللغة التركمانية.
وكان الشيخ بابا طالب معروفاً بالزهد وحسن الأخلاق، ويقوم بإطعام الفقراء والمحتاجين، إضافة إلى قراءة مجالس العزاء وإحياء المناسبات الدينية، واستقبال الزائرين لعلاجهم بالرقية الشرعية والقرآن الكريم.
كما ساعده في إدارة التكية عدد من الأفراد، منهم الحاج زكي باقر، وساقي فاضل، والشاعر أنور بابا، وبابا جنيد.
وبعد وفاته، تولى نجله بابا عباس بن بابا طالب إدارة التكية، مستمراً على نهج آبائه في إقامة الشعائر الحسينية، وقراءة القرآن الكريم، وتنظيم ختمات قرآنية أسبوعية تُهدى ثوابها إلى أرواح المسلمين.
الوضع الحالي والعمران
أُعيد بناء التكية بشكل حديث عام ١٤٤٢هـ / ٢٠٢١م مع الحفاظ على طرازها التراثي. وتقع حالياً في حي الأيلخاني بقضاء داقوق جنوب مدينة كركوك، وهي معروفة بين الأهالي باسم “بابالر تكياسي”.
تتكون التكية من طابقين: علوي مخصص للنساء وسفلي للرجال، ويقع مدخلها من الجهة الشمالية. وتضم قاعة رئيسية تحتوي على منبر حسيني وأجهزة صوت حديثة، إضافة إلى غرف جانبية ومرافق خدمية.
كما يرتبط بها منزل شيخ التكية بابا عباس، وتستقبل التكية بشكل مستمر شخصيات دينية ووجهاء المنطقة، خصوصاً خلال المناسبات الدينية وشهري محرم ورمضان.