في قريةِ البشير، حيثُ تختلطُ الأرضُ بالعقيدة، ويمتزجُ التاريخُ بالدمعة، وُلدت حكايةُ جامع آل اسطلار عام ١٩٢٥، يوم نهض الأخوة أسطة عباس موسى، وأسطة مهدي موسى، وأسطة كاظم مهدي يحملون فكرةَ بناء بيتٍ لله، رغم اعتراض القلوب الضعيفة، ورغم أصوات التثبيط. لكنهم مضوا، لأن من يحملُ نية الحسين لا يتراجع بُني الجامع…ثم أُحرق أُشعلت فيه نارُ الغلاة، لكنهم نسوا أن نارهم لا تحرق النور، وأن بيوت الحسين تُبنى من جديد ولو من تحت الرماد. فأُعيد ترميمه بدنكٍ وقبة، ليقف شاهدًا أن ما هُدم ظلمًا يعود أقوى بإذن الله وفي عام ١٩٢٨، دخل القرية رجلٌ يحمل على كتفيه أخلاقَ الأنبياء، الشيخ عبد الحسين، جاء غريبًا، لكنه حمل قلبًا عامرًا بحب أهل البيت (عليهم السلام قوبل بالأذى، وبالسخرية، وبالقذارة…رُمي بالقمامة وبالخمر في أزقة القرية، لكنه لم يرمِ أخلاقه، ولم يسقط من عينه حلم الهداية عاد الشيخ…ولم يطالب بالاعتذار، بل طلب أن يعتذر هو ممن آذوه هنا ارتجفت القلوب، وخجل الظلم من نفسه، وانحنت الرؤوس أمام خُلُقٍ لا يشبه إلا خُلُق الحسين. فاعتذروا، وتحولت القسوة إلى محبة، والعداء إلى ولاء ثم جاء من بعده، عام ١٩٦٨، الشيخ جواد تبيرزي، صهره وخليفته في الرسالة، فكان صوتًا للقرآن، ولسانًا للعزاء، ورايةً من رايات الهداية في قرية البشير، حتى عُرف بين الناس من أبرز قرّاء المنطقة وكان للجامع رجاله…
محمد أمين أفندي، قارئ القرآن، ولسان اللطميات، وصوت الأدعية في ليالي رمضان أسطة شريف، خادم المسجد، الذي خدمه كما تُخدم العقيدة والملا حيدر، مؤذنًا وقارئًا، يرفع الأذان كأنه نداء كربلاء يتجدد كل فجر.
وفي عام ١٩٧٨، رُمم الجامع مرة أخرى، وبقيت مواكب العزاء تضرب جذورها في الأرض، وتبكي الحسين (عليه السلام) دون خوف، لكن جاء زمنُ الظلم…وجاء الحكم البعثي، فمُنعت المجالس، وخُنق الصوت الحسيني، ثم هُدم الجامع، وهُجّر الأهالي، وكأن التاريخ يعيد مشهد كربلاء بوجهٍ آخروبعد ٢٠٠٣، عادت الحياة تزحف بخطوات متعبة، لكن مخلصة.
وفي عام ٢٠٠٩، أُعيد ترميم الجامع، وبحضور الشيخ صلاح من العتبة العباسية المقدسة، طُرح اسمٌ جديد…اسمٌ يهتف بالانتظار:جامع آل ياسين وفي عام ٢٠١٢، فُتح الجامع باسمه الجديد، لكن المحنة لم تنتهِ…
جاء داعش، وفجّر جزءًا من الجامع، وهجّر الناس، ظنًا أن التفجير يقتل العقيدة لكنهم لم يعلموا أن كل حجرٍ سقط، صار دمعة، وكل دمعة صارت منبرًا خرج داعش…وعاد الأهالي…وعاد الأذان، وعادت اللطميات، وعاد الحسين (عليه السلام) حيًّا في الصدور واليوم…ما زالت مجالس العزاء تُقام في جامع آل ياسين، تعلنها صرخة:
هيهات منّا الذلّة
محمد محمود (أبو عمار) اوسطلار
الحاج موسى البشيري: متولي الجامع حاليا