قارئ حسيني، أديب وباحث في التراث الصوفي والأدب التركي
بسم الله الرحمن الرحيم
وُلد المرحوم الدرويش عسكر ياغمور أوغلو عام ١٩١٩م في ناحية داقوق بمحافظة كركوك، بعد فترة طويلة من انتظار والديه للذرية. وكان مولده ثمرة دعاء ونذر؛ إذ قامت والدته بزيارة مرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام في سامراء، ونذرت أن تمشي إلى المرقد الشريف من داقوق على قدميها، إن رزقها الله بمولود ذكر، وأن تسميه «عسكر» تيمناً بالإمام الحسن العسكري عليه السلام، وأن يكون خادماً لمحمد وآل محمد عليهم السلام.
وقد وفى والداه بنذرهما، وحرصا منذ صغره على تعليمه وتربيته، حتى أصبح اسم الحسن العسكري عليه السلام حاضراً في حياته، وكان يتخذ اسم الإمام الحسن العسكري في توقيعه الشخصي، اعتزازاً وتيمناً به.
نشأته وتعليمه
حرص والداه على أن يتعلم في المدرسة، فالتحق بـ المدرسة الابتدائية في داقوق، كما تلقى في تلك المرحلة تعليماً دينياً على يد بعض الملاّيات والمعلّمين في المنطقة.
وأتم دراسته الابتدائية، وكانت الدراسة الابتدائية في ذلك الوقت أربع سنوات، وكان تلميذاً متفوقاً ومميزاً بين أقرانه، لما كان يتمتع به من شغف كبير بالقراءة ومطالعة الكتب، رغم شحة المصادر والمراجع في ذلك الزمن.
ولم يتمكن، مع الأسف، من إكمال دراسته المتوسطة؛ إذ كانت المدرسة المتوسطة موجودة في كركوك وليس في داقوق، وكان من المتعذر على عائلته الانتقال والسكن في كركوك، مما اضطره إلى التوقف عن الدراسة النظامية عند هذا الحد، رغم عشقه للعلم ورغبته الشديدة في مواصلة الدراسة الأكاديمية.
إلا أن توقفه عن الدراسة النظامية لم يكن نهاية رحلته العلمية، بل كان بداية لمرحلة أخرى من التعلم الذاتي، إذ واصل الدرويش عسكر ياغمور أوغلو القراءة والمطالعة، وانكب على الكتب التاريخية والأدبية، واهتم بالشعر والأدب والعرفان والتصوف، ولا سيما المؤلفات التي تتغنى بحب أهل بيت النبوة عليهم السلام.
اهتمامه باللغة والأدب التركي
اهتم المرحوم بتطوير نفسه بنفسه، وتعلم اللغة التركية الحديثة المكتوبة بالحروف اللاتينية، كما أتقن قراءة وفهم اللغة التركية العثمانية المكتوبة بالحروف العربية، الأمر الذي مكنه من الاطلاع على مصادر ومؤلفات تركية قديمة وحديثة.
كما قام بترجمة بعض الكتب والمواد الأدبية والتاريخية من التركية إلى العربية، ومن بينها كتاب يتناول تاريخ المذاهب من ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى واقعة كربلاء، وكتاب آخر يتضمن مقالات وأشعاراً لشعراء وأدباء من المدرسة الصوفية والبكتاشية، ومنهم نسيمي، وبير سلطان أبدال، ويونس أمره وغيرهم من الأدباء والشعراء.
وقد شاركه في بعض أعماله وترجماته صديقه الشاعر رشيد علي أوغلو، فكان الاثنان يتعاونان في مجال الأدب والترجمة والبحث، في محاولة للحفاظ على جانب مهم من التراث التركي والأدبي والصوفي.
حياته العملية
استمر المرحوم في التعلم والتبحر في العلوم الأدبية والصوفية، إلى جانب عمله من أجل كسب العيش الحلال.
فقد عمل موظفاً في دائرة الأشغال في كركوك فترة من الزمن، ثم عاد إلى مسقط رأسه داقوق، حيث أنشأ محلاً صغيراً في سوق داقوق القديم، وكان يقضي فيه جزءاً من يومه في العمل، ثم يعود بعد انتهاء عمله إلى تكية ده ده جعفر.
وكان يقضي معظم وقته في التكية بين التأمل والمطالعة، أو بين مريديها وأصدقائه، ومنهم المرحوم خليفة مهدي رشيد، والأستاذ قاسم صابر وأولاده، ورشيد أفندي، ودرويش شيد علي، والسيد شيخ محمود، ودرويش عباس، وحجي مهدي بوياغچي، وخوجه رشيد، وملا رضا ده مرجي، والأستاذ محمد شريف، وغيرهم من أهل العلم والأدب والتكية.
كما كانت تربطه علاقة خاصة منذ طفولته وحتى وفاته بالمرحوم المؤرخ الدكتور حسين علي الداقوقي، وكانت بينهما صداقة ومودة واهتمام مشترك بالتاريخ والتراث.
خادم المجالس الحسينية
كان شهرا محرم وصفر موسماً مهماً في داقوق عموماً، وفي تكية ده ده جعفر خصوصاً، إذ كانت التكية تستعد لاستقبال أيام العزاء الحسيني وتهيئة مستلزمات إقامة المجالس الحسينية.
وكانت التكية في تلك الفترة مركزاً دينياً واجتماعياً وثقافياً وروحانياً، يحضرها جمع من أبناء المنطقة، فضلاً عن الزائرين والمريدين القادمين من مناطق مختلفة، بل ومن خارج البلاد.
وكان المرحوم الدرويش عسكر من أبرز المشاركين في إحياء المجالس الحسينية، إذ كان قارئاً للمجالس، يمتلك صوتاً شجياً مملوءاً بالخشوع والروحانية، وكان المستمعون، رجالاً ونساءً، يتأثرون بقراءته ويجهشون بالبكاء عند ذكر مصائب أهل البيت عليهم السلام.
وكانت هذه المجالس تقام كل عام في ليالي العشرة الأولى من شهر محرم الحرام، وتستمر أجواؤها وفعالياتها طوال شهري محرم وصفر.
وقد تميز المرحوم في قراءة المقتل الحسيني، وكذلك في قراءة أشعار اللطم والرثاء الحسيني، وكان يؤديها بأسلوب مؤثر يجمع بين قوة الكلمة وحزن المصيبة وروحانية المجلس.
زهده وإخلاصه
كان المرحوم الدرويش عسكر زاهداً عابداً، عارفاً بالله، محباً لأهل البيت عليهم السلام، مكتفياً بالقليل من الحلال الذي كان يكسبه من محله الصغير.
وكان من أبرز صفاته الإخلاص؛ فقد كان يرفض تقاضي أي أجر مقابل قراءته للمواليد والمجالس الحسينية التي كان يُدعى إلى إحيائها، إذ كان يرى أن خدمة أهل البيت عليهم السلام وإحياء ذكرهم شرف لا يُقاس بالمال.
وقد كرّس جانباً كبيراً من حياته للعلم والمطالعة والأدب والترجمة وخدمة المجالس الحسينية، فجمع بين الثقافة والأدب والتصوف والعرفان وخدمة المنبر الحسيني، وظل وفياً لهذا النهج حتى آخر أيام حياته.
وفاته
توفي المرحوم الدرويش عسكر ياغمور أوغلو يوم الجمعة ٣٠ صفر ١٣٩٩هـ، الموافق ٩ شباط ١٩٧٩م، بعد حياة حافلة بالقراءة والمطالعة وخدمة أهل البيت عليهم السلام وإحياء المجالس الحسينية.
رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجزاه عن خدمة القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام والمجالس الحسينية خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علم وأدب وخدمة في ميزان حسناته، وحشره مع محمد وآل محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام.
بالطبع. قمتُ بترتيب النص وتصحيح الأخطاء الناتجة عن التحويل الضوئي، مع الحفاظ على مضمونه وتفاصيله، وصياغته بأسلوب مناسب للتوثيق في كتاب التراث الحسيني.
الدرويش عسكر ياغمور أوغلو
قارئ حسيني، أديب وباحث في التراث الصوفي والأدب التركي
بسم الله الرحمن الرحيم
وُلد المرحوم الدرويش عسكر ياغمور أوغلو عام ١٩١٩م في ناحية داقوق بمحافظة كركوك، بعد فترة طويلة من انتظار والديه للذرية. وكان مولده ثمرة دعاء ونذر؛ إذ قامت والدته بزيارة مرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام في سامراء، ونذرت أن تمشي إلى المرقد الشريف من داقوق على قدميها، إن رزقها الله بمولود ذكر، وأن تسميه «عسكر» تيمناً بالإمام الحسن العسكري عليه السلام، وأن يكون خادماً لمحمد وآل محمد عليهم السلام.
وقد وفى والداه بنذرهما، وحرصا منذ صغره على تعليمه وتربيته، حتى أصبح اسم الحسن العسكري عليه السلام حاضراً في حياته، وكان يتخذ اسم الإمام الحسن العسكري في توقيعه الشخصي، اعتزازاً وتيمناً به.
نشأته وتعليمه
حرص والداه على أن يتعلم في المدرسة، فالتحق بـ المدرسة الابتدائية في داقوق، كما تلقى في تلك المرحلة تعليماً دينياً على يد بعض الملاّيات والمعلّمين في المنطقة.
وأتم دراسته الابتدائية، وكانت الدراسة الابتدائية في ذلك الوقت أربع سنوات، وكان تلميذاً متفوقاً ومميزاً بين أقرانه، لما كان يتمتع به من شغف كبير بالقراءة ومطالعة الكتب، رغم شحة المصادر والمراجع في ذلك الزمن.
ولم يتمكن، مع الأسف، من إكمال دراسته المتوسطة؛ إذ كانت المدرسة المتوسطة موجودة في كركوك وليس في داقوق، وكان من المتعذر على عائلته الانتقال والسكن في كركوك، مما اضطره إلى التوقف عن الدراسة النظامية عند هذا الحد، رغم عشقه للعلم ورغبته الشديدة في مواصلة الدراسة الأكاديمية.
إلا أن توقفه عن الدراسة النظامية لم يكن نهاية رحلته العلمية، بل كان بداية لمرحلة أخرى من التعلم الذاتي، إذ واصل الدرويش عسكر ياغمور أوغلو القراءة والمطالعة، وانكب على الكتب التاريخية والأدبية، واهتم بالشعر والأدب والعرفان والتصوف، ولا سيما المؤلفات التي تتغنى بحب أهل بيت النبوة عليهم السلام.
اهتمامه باللغة والأدب التركي
اهتم المرحوم بتطوير نفسه بنفسه، وتعلم اللغة التركية الحديثة المكتوبة بالحروف اللاتينية، كما أتقن قراءة وفهم اللغة التركية العثمانية المكتوبة بالحروف العربية، الأمر الذي مكنه من الاطلاع على مصادر ومؤلفات تركية قديمة وحديثة.
كما قام بترجمة بعض الكتب والمواد الأدبية والتاريخية من التركية إلى العربية، ومن بينها كتاب يتناول تاريخ المذاهب من ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى واقعة كربلاء، وكتاب آخر يتضمن مقالات وأشعاراً لشعراء وأدباء من المدرسة الصوفية والبكتاشية، ومنهم نسيمي، وبير سلطان أبدال، ويونس أمره وغيرهم من الأدباء والشعراء.
وقد شاركه في بعض أعماله وترجماته صديقه الشاعر رشيد علي أوغلو، فكان الاثنان يتعاونان في مجال الأدب والترجمة والبحث، في محاولة للحفاظ على جانب مهم من التراث التركي والأدبي والصوفي.
حياته العملية
استمر المرحوم في التعلم والتبحر في العلوم الأدبية والصوفية، إلى جانب عمله من أجل كسب العيش الحلال.
فقد عمل موظفاً في دائرة الأشغال في كركوك فترة من الزمن، ثم عاد إلى مسقط رأسه داقوق، حيث أنشأ محلاً صغيراً في سوق داقوق القديم، وكان يقضي فيه جزءاً من يومه في العمل، ثم يعود بعد انتهاء عمله إلى تكية ده ده جعفر.
وكان يقضي معظم وقته في التكية بين التأمل والمطالعة، أو بين مريديها وأصدقائه، ومنهم المرحوم خليفة مهدي رشيد، والأستاذ قاسم صابر وأولاده، ورشيد أفندي، ودرويش شيد علي، والسيد شيخ محمود، ودرويش عباس، وحجي مهدي بوياغچي، وخوجه رشيد، وملا رضا ده مرجي، والأستاذ محمد شريف، وغيرهم من أهل العلم والأدب والتكية.
كما كانت تربطه علاقة خاصة منذ طفولته وحتى وفاته بالمرحوم المؤرخ الدكتور حسين علي الداقوقي، وكانت بينهما صداقة ومودة واهتمام مشترك بالتاريخ والتراث.
خادم المجالس الحسينية
كان شهرا محرم وصفر موسماً مهماً في داقوق عموماً، وفي تكية ده ده جعفر خصوصاً، إذ كانت التكية تستعد لاستقبال أيام العزاء الحسيني وتهيئة مستلزمات إقامة المجالس الحسينية.
وكانت التكية في تلك الفترة مركزاً دينياً واجتماعياً وثقافياً وروحانياً، يحضرها جمع من أبناء المنطقة، فضلاً عن الزائرين والمريدين القادمين من مناطق مختلفة، بل ومن خارج البلاد.
وكان المرحوم الدرويش عسكر من أبرز المشاركين في إحياء المجالس الحسينية، إذ كان قارئاً للمجالس، يمتلك صوتاً شجياً مملوءاً بالخشوع والروحانية، وكان المستمعون، رجالاً ونساءً، يتأثرون بقراءته ويجهشون بالبكاء عند ذكر مصائب أهل البيت عليهم السلام.
وكانت هذه المجالس تقام كل عام في ليالي العشرة الأولى من شهر محرم الحرام، وتستمر أجواؤها وفعالياتها طوال شهري محرم وصفر.
وقد تميز المرحوم في قراءة المقتل الحسيني، وكذلك في قراءة أشعار اللطم والرثاء الحسيني، وكان يؤديها بأسلوب مؤثر يجمع بين قوة الكلمة وحزن المصيبة وروحانية المجلس.
زهده وإخلاصه
كان المرحوم الدرويش عسكر زاهداً عابداً، عارفاً بالله، محباً لأهل البيت عليهم السلام، مكتفياً بالقليل من الحلال الذي كان يكسبه من محله الصغير.
وكان من أبرز صفاته الإخلاص؛ فقد كان يرفض تقاضي أي أجر مقابل قراءته للمواليد والمجالس الحسينية التي كان يُدعى إلى إحيائها، إذ كان يرى أن خدمة أهل البيت عليهم السلام وإحياء ذكرهم شرف لا يُقاس بالمال.
وقد كرّس جانباً كبيراً من حياته للعلم والمطالعة والأدب والترجمة وخدمة المجالس الحسينية، فجمع بين الثقافة والأدب والتصوف والعرفان وخدمة المنبر الحسيني، وظل وفياً لهذا النهج حتى آخر أيام حياته.
وفاته
توفي المرحوم الدرويش عسكر ياغمور أوغلو يوم الجمعة ٣٠ صفر ١٣٩٩هـ، الموافق ٩ شباط ١٩٧٩م، بعد حياة حافلة بالقراءة والمطالعة وخدمة أهل البيت عليهم السلام وإحياء المجالس الحسينية.
رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجزاه عن خدمة القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام والمجالس الحسينية خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علم وأدب وخدمة في ميزان حسناته، وحشره مع محمد وآل محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام.