في قلب قرية البشير التابعة لناحية تازة خورماتو في محافظة كركوك، وُلد عام ١٩٧٥م رجلٌ لم يكن عابرًا في زمنه، بل كان يحمل في ملامحه ملامح الطريق، وفي صوته بقايا المآذن، وفي قلبه عشقٌ قديم لا يهدأ… إنه السيد جعفر إسماعيل تقي عباس الموسوي.
نشأ بين أزقة البساطة الأولى، وبدأ خطواته الدراسية في قريته، حتى بلغ المرحلة الابتدائية الثالثة، لكن القدر كان يكتب له مسارًا آخر حين هجّرت العائلات عام ١٩٨٦م إلى مجمعات محافظة ذي قار، هناك حيث تشتد الغربة… وتولد الإرادة.
لم يكن صوته عادياً بين أقرانه، ففي أواخر الثمانينات بدأ يعتلي المجالس الحسينية، يقرأ القصيدة الدينية بلهيب الإيمان، ويهتف لمدح أهل البيت عليهم السلام وكأنه وُلد ليكون لسان المأساة وذاكرة المنبر.
سلك طريق العلم، فالتحق بالمعهد الإسلامي، ثم انتقل إلى كلية الشريعة في بغداد، وهناك بدأت ملامح شخصيته تشتد؛ صراحة لا تعرف المساومة، ونقاش لا يهدأ، وعلم يواجهه واقعٌ أمني صعب واعتقالات وضغوط، ليعود بعدها إلى كركوك من جديد، أكثر نضجًا وأشد صلابة.
بعد عام ٢٠٠٣م، ومع انكسار القيود، انطلق صوته في مدن كركوك وطوز خورماتو وداقوق وتازة خورماتو وشريخان في الموصل، يجوب المجالس الحسينية بلا توقف، حتى كان في بعض المواسم يقرأ في ثلاث مجالس في يوم واحد، كأن الحسين عليه السلام يسكن في صوته لا في ذاكرته فقط.
وفي عام ٢٠١١م، حمل قلبه إلى حوزة النجف الأشرف حيث واصل دراسته حتى استقر هناك، ثم لبس العمامة، فازداد صوته عمقًا، وكلمته ثِقلاً، وخطابته أثرًا. وكانت أولى منابره في طوز خورماتو، حيث وقف يخاطب الناس لا كخطيب فقط، بل كرسالة تمشي على الأرض.
وفي عام ٢٠١٤م، كان في أرض تركيا في مهمة تبليغ ديني، لكن حين دقّت طبول الخطر وصدرت فتوى الجهاد الكفائي من مرجعية النجف، عاد مسرعًا إلى العراق، كأن قلبه كان يسبقه إلى الميدان.
تنقّل بين النجف والسليمانية كركوك، حتى التقى بأهله وودّع والدته وداعًا لا يعرف أنه الأخير، ثم اتجه إلى أرض المواجهة قرب قرية البشير، حيث كان التاريخ يُكتب بالدم، لا بالحبر.
وفي أول يوم من شهر رمضان عام ٢٠١٤م، الموافق ١٤/٦/٢٠١٤، ارتقى شهيدًا في مواجهة تنظيم داعش، في لحظة اختلط فيها صوت التكبير بصمت الأرض.
لكن المأساة لم تنتهِ عند الرحيل… فقد امتدت يد الإرهاب لتسحب جسده الشريف، وتتركه تسعة أشهر فوق التراب، وكأن الأرض نفسها كانت شاهدة على الجريمة.
ثم عاد الجسد الطاهر إلى مثواه الأخير في مدينة النجف الأشرف، حيث يرقد الآن بين أرضٍ اعتادت أن تحتضن الشهداء والعلماء.