في أرض تازة خورماتو، حيث تختلط ذاكرة الألم بحكايات الصبر، وُلد عام
١٩٧٦م فتىً من بيتٍ عرف طريقه إلى حبّ أهل البيت عليهم السلام منذ اللحظة الأولى… الشيخ حسين علي ميتي مشير.
نشأ في أسرةٍ دينية، كانت القلوب فيها تنبض بولاء الحسين عليه السلام، وكانت المجالس الحسينية فيها ليست طقساً عادياً، بل حياة توُرَّث جيلاً بعد جيل. ومنذ
نعومة أظفاره، كان يخطو خطواته الصغيرة نحو جامع رسول الأعظم )جامع ميتي عاشور(، ذاك المكان الذي لم يكن جدراناً من حجر، بل مدرسةً للروح، ومحراباً للوعي.
هناك، بين رفوف الكتب التي أسسها الشيخ علي مراغي، كان الفتى يصغي قبل أن يقرأ، ويتأمل قبل أن يفهم، وكأنّ الحروف كانت تناديه إلى طريقٍ لا عودة فيه إلا إلى الله وأهل بيته.
لكن الزمن لم يكن هادئ اً… كانت المنطقة تعيش في ظلّ قسوة المنع، وضيق
الشعائر، وغياب الصوت الحسيني العلني، في زمنٍ حاول فيه الظلام أن يطفئ نور ذكر الحسين عليه السلام. عندها، تولد في قلبه شعور المسؤولية، وكأن نداءً داخلياً يقول له: لا بدّ أن يحُفظ هذا الطريق مهما كان الثمن.
وكانت الآية الكريمة تطرق قلبه كنبضٍ لا يسكن:
﴿فلولا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾
فجعلها منهاجاً، وقرر أن يترك أرضه متوجهاً إلى النجف الأشرف، عام ٢٠٠٠م ،
إلى حيث العلم والنور والحوزة التي حفظت ميراث أهل البيت عليهم السلام.
لم يكن الطريق سهلا ً… فقد تعرّض للاستجواب، وسُئل عن سبب سفره، وكأن
طلب العلم أصبح تهمة في زمنٍ صعب. حتى طُلب منه التعاون مع أجهزة الأمن، لكنه أبى، ورفض أن يبيع ضميره أو يبدّل طريقه، فكان الثبات عنوانه، والإيمان سلاحه.
وبين ضغط الظروف، كان يجمع بين لقمة العيش من الأرض، وبين طلب العلم في الحوزة، كأنه يحمل قلبين: قلباً في التراب، وقلباً في السماء.
ومع مرور ثلاث سنوات من الجدّ والمجاهدة، انكسر ذلك الزمن الأسود بسقوط النظام البعثي عام ٢٠٠٣م، وكأن العراق تنفّس بعد طول اختناق.
فعاد صوته من جديد بين الناس، لكن هذه المرة أقوى… صار حلقة وصل بين الحوزة والمجتمع، وجسراً يربط القلوب بالمنبر الحسيني، وبالوعي الديني، وبنور أهل البيت عليهم السلام.
وفي تازة خورماتو، بقي جامع رسول الأعظم )جامع ميتي عاشور( شاهداً على
مسيرته، لا كجدرانٍ صامتة، بل كذاكرةٍ حيّة تقول: إن نور الحسين لا يطُفأ، وإن من سار في طريقه، يبقى اسمه حيّاً ما دام هناك قلب يذكر الله وأهل البيت عليهم السلام