في أرض كركوك، ومن ناحية ليلان المباركة، وُلد عام ١٩٦٨ رجلٌ لم تكن حياته عادية، بل كانت مسيرة امتحانٍ وصبرٍ وخدمةٍ لا تنطفئ… إنه حسين نامق عسكر، أحد خدام المنبر الحسيني الذين حملوا الصوت القرآني والذكر الحسيني في أحلك الظروف.
نشأ في بيئةٍ مؤمنة، وترعرع بين بيوتٍ تعشق الحسين (عليه السلام)، فكانت خطواته الأولى نحو الجامع مبكرة، وكأن القدر كان يهيّئه ليكون صوتاً في المحراب، ووجهاً من وجوه الخدمة.
أكمل دراسته في كركوك، من الابتدائية حتى المتوسطة، ثم واصل طريق العلم في معهد إعداد المعلمين، لكن قلبه كان هناك… في بيوت الله، وفي أصوات المؤذنين، وفي ليالي المجالس التي لا تنطفئ فيها دمعة العزاء.
في عمر السابعة عشرة، وقف لأول مرة قارئاً في جامع الإمام علي (عليه السلام) في قصاب خانة، وارتقى المنبر في جامع خزعل التميمي، فكان صوته بداية رحلة لا تشبه سواها… رحلة خدمةٍ لا تعرف التراجع.
وفي طوز خورماتو، داخل جامع الثقلين، عام ١٩٨٠، واصل مسيرته مع السيد إبراهيم الموسوي، حيث تفتحت ملامح الخادم الحسيني الذي لا يفارقه المنبر مهما اشتدت الظروف.
لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالراحة… بل كان مليئاً بالامتحان.
اعتُقل أكثر من مرة بسبب التزامه الديني ونشاطه في بيوت الله، ودخل السجون، لكنه خرج منها أكثر ثباتاً، وكأن السجن لم يكن إلا محطة لتقوية الإيمان لا لكسره.
وفي عام ١٩٩٥، اشتد عليه البلاء حتى اضطر إلى مغادرة وطنه، فتنقّل بين إيران وزاخو، ثم إلى تركيا… وهناك في إسطنبول – زيتون بورنو، لم يتوقف صوته، بل بقي مؤذناً وقارئاً في أحد المساجد، وكأن المنبر يسافر معه أينما ذهب.
بعد عام ٢٠٠٣، عاد إلى العراق، ليكمل طريقه بين الشمال وبغداد، ثم استقر في خدمة الشعائر، لكن الطريق لم يخلُ من الخطر… ففي طريق زيارته إلى سامراء، اعتُقل على يد تنظيم القاعدة، ثم أُطلق سراحه، وكأن الله كتب له عمراً آخر ليكمل الرسالة.
وفي عام ٢٠٠٤، عُيّن قارئاً ومؤذناً في جامع الحسين (عليه السلام) بناحية ليلان، ليبدأ مرحلة طويلة من الخدمة الصامتة، خدمة لا تبحث عن شهرة، بل عن رضا الله وخدمة الحسين.
وبقي هناك… صوتاً للآذان، وقراءةً للقرآن، ونبضاً للمجالس الحسينية، حتى عام ٢٠٢٥، حين أُحيل إلى التقاعد، لكنه لم يتقاعد من قلب الخدمة، لأن الخادم الحسيني لا يتقاعد… بل يواصل حتى آخر نفس.
وحتى يوم ١٢ نيسان ٢٠٢٦، يبقى حسين نامق عسكر شاهداً على جيلٍ حمل المنبر في زمن الخوف، وثبت في زمن الغربة، وبقي وفياً للحسين (عليه السلام) في كل مكانٍ حلّ فيه.
سلامٌ على الأصوات التي لم تنكسر… وعلى الخدام الذين جعلوا من حياتهم منبراً لا يُغلق