في قرية البشير، تلك الأرض التي عرفت الحزن الحسيني قبل أن تعرف الراحة ،وُلد عام ١٩٦٢م رجلٌ لم يحمل السلاح… بل حمل الصوت… صوت العزاء… صوت الحسين )عليه السلام(… إنه نوح محمود مردان محمد.
منذ صغره، جلس بين يدي الملا عبود، يتعلمّ القراءة والكتابة، لكن قلبه كان يتعلمّ شيئاً آخر… كان يتعلمّ كيف يكون خادمًا للحسين.
ومع مرور الأيام، لم يكن مجرد متعلمّ… بل صار حافظًا لذاكرة العزاء، عاشقًا
للأصوات التي تبكي الحسين، متأثرًا برواديد سبقوه، أمثال الملا علي والملا عبود البشيري… أولئك الذين جعلوا الصوت طريقًا إلى كربلاء.
وبعد عام ٢٠٠٣، بدأ صوته يعلو في المجالس، يقرأ اللطم في الوقف الشيعي ،مستندًا إلى كتبٍ حملت الدموع بين سطورها… مثل قمري وسحاب الدموع… فكان صوته امتدادًا لذلك الحزن القديم.
لكن قصته لم تكن مجرد قراءة…
بل كانت حكاية وفاء…
امتلك ما يقارب ٤٠٠ شريط كاسيت… ليست مجرد تسجيلات، بل أرواح… أصوات شيوخٍ وسادة، بعضهم جاء من إيران، وآخرون من مختلف المناطق التركمانية… ذاكرة كاملة للعزاء، جمعها بصبر العاشق.
وفي زمن الخوف… زمن الملاحقة… حين كانت السلطة تبحث عن كل صوٍتٍ حسيني، لم يتخلَّ عنها… بل أخفاها عند الشيخ حسين مردان لمدة شهر كامل، خوفًا عليها… لا خوفًا على نفسه.
ولما هُدمت قرية البشير، وهُجّر أهلها في ثمانينيات القرن الماضي، حمل معه تلك الكنوز… لم يتركها… وكأنها أمانة… وكأن كل شريط يقول له: “لا تتركني…
نحن صوت الحسين…”
فانتقل بها إلى ناحية الرياض، إلى مجمعات ذي قار التابعة لقضاء الحويجة… وهناك بقي محافظًا عليها، كأنها حياته… بل أكثر.
لم يكن همه المال… ولا الجاه…
كان همه أن لا تضيع تلك الأصوات… أن لا ينُسى الحسين… أن تبقى المجالس حيّة… ولو في شريطٍ قديم.
سلامٌ على من حفظ صوت العزاء…
سلامٌ على من خاف على الكاسيت أكثر من نفسه…
سلامٌ على نوح محمود مردان محمد… يوم وُلد، ويوم خدم، ويوم حفظ تراث
الحسين… ويوم يبُعث حيًّا