في محلة اسكي تسن - التي تُعرف اليوم بـ تسعين الشهيدة(تسن) في كركوك – وُلد جلال رضا أفندي في مطلع عام ١٩٠٠، في بيتٍ عُرف بالشعر ومحبة أهل البيت عليهم السلام. نشأ بين أزقةٍ تعبق بروح الولاء، فكان صوته منذ الصغر يميل إلى النغمة الحزينة، وقلبه يحنّ إلى ذكر المصاب.
تعلّم في الكتاتيب على أيدي الملالي، فحفظ القرآن وتشرّب اللغة وأوزانها، ثم التحق بالمدرسة السلطانية عام ١٩١٤ في أواخر العهد العثماني. غير أن رياح السياسة عصفت بأحلامه؛ فبعد احتلال الإنكليز لمدينة كركوك أُغلقت المدرسة، واضطر إلى ترك مقاعد الدراسة، لكنّه لم يترك درب المعرفة.
كان والده جلال أفندي أول ملهمٍ له، ومن بعده تأثر بالشاعر التركي الكبير فضولي، فنهل من مدرسته الشعرية، وتعمّق في علم العَروض والبحور، وأجاد أساليب الهجاء والرثاء. لم يكن شعره مجرد كلماتٍ موزونة، بل كان موقفاً ورسالة، حمل في أبياته روح التسامح والأخوّة، وبثّ في قصائده حرارة الولاء الحسيني.
اتخذ لنفسه لقب (جلال)، بينما عُرف والده بـ (أفندي زاده) و (تسينلي) ، فصار الاسم عنواناً لمدرسة أدبية امتزج فيها الحس القومي بالنبض الحسيني، والهوية الثقافية بالوفاء لأهل البيت عليهم السلام.
وفي صباحٍ باكر من عام ١٩٨١م الموافق ١٤٠١هـ، أسلم الروح إلى بارئها بعد مسيرةٍ امتدت أكثر من ثمانين عاماً من العطاء. رحل الجسد، لكن صدى القصائد بقي يتردّد في المجالس، شاهداً على شاعرٍ عاش للكلمة الصادقة.
واختُتمت رحلته بأن وُوري الثرى في النجف، عند جوار مرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكأنّ حياته التي بدأت بحب أهل البيت خُتمت بالقرب منهم.
رحم الله جلال رضا أفندي، فقد كان لساناً ناطقاً بالولاء، وقلباً نابضاً بالحسين، وسيرةً تُروى للأجيال لتبقى الكلمة الحسينية حيّة لا تموت