باسمِ الحسين… وبصوتِ الحقيقة الذي لا تُسكته السجون من قرية البشير، من أرضٍ عُرفت بالولاء قبل أن تُعرف بالأسماء، وُلد عام ١٩٤٠ رجلٌ حمل القرآن بيد، والحسين بالقلب، والكلمة بالموقف… إنّه الملا محمد أمين جواد كاظم أوسطلار.
بدأ مسيرته قارئًا للقرآن الكريم، واللطمية الحسينية، والدعاء، فكان صوته هادئًا، لكن أثره عميقًا، قرأ من كتب الشيخ حسين البشيري، فجمع بين المدرسة التراثية الأصيلة والروح الرسالية الواعية، لم يكن قارئ مجلسٍ فحسب، بل مثقفًا واعيًا، وأستاذًا لمادة اللغة الإنكليزية، يؤمن أن الحسين رسالة عالمية تُخاطَب بكل اللغات.
وقف على منابر المواكب الحسينية، فحوّل القراءة إلى موقف، والدمعة إلى وعي، والمجلس إلى ساحة تربية وإحياء وكان واسع الأفق، مطّلعًا حتى على كتب الإنجيل، لا ترفًا معرفيًا، بل بحثًا عن الحقيقة، وإيمانًا بأن نهضة الحسين ميزانٌ لكلّ الرسالات.
وفي أوقات خلوته، كان يعود إلى زاده الروحي:القرآن الكريم، ومصيبة الإمام الحسين عليه السلام، التي كان يقرأها مرارًا وكأنّه يعيش تفاصيل كربلاء لحظةً بلحظة. وكان لـ دعاء الافتتاح في ليالي شهر رمضان حضورٌ خاص في حياته، مع التمجيد والتسبيح، فكانت الليالي تشهد على صدقه وخشوعه.
عمل معلّمًا في مدرسة البشير، يزرع القيم قبل المعلومات، ويُربّي الأجيال على معنى الكرامة والوعي، فصار التعليم عنده امتدادًا للمنبر، والمنبر امتدادًا للرسالة لكنّ صوت الحسين لا يُرضي الطغاة.
في عام ١٩٨٢، اعتقله النظام البعثي، ثم أعادوه من سجن بيدَه كَليجة ليُخرج الكتب التي دفنها حمايةً للفكر من المصادرة، في مشهدٍ يكشف خوف السلطة من الكلمة أكثر من خوفها من السلاح. وبعدها، اقتادوه مرّةً أخرى… ليغيب الجسد ويبقى الأثر.
ودُفن في النجف الأشرف، حيث يجاور العلماء والشهداء، أمّا اسمه فبقي محفورًا في ذاكرة قرية البشير، وفي كلّ مجلس، وكلّ موكب، وكلّ دمعةٍ تُسكب على الحسين.
هكذا يُغيَّب الرجال… ولا تُغيَّب الرسالات.
وهكذا يبقى الحسين حيًّا… بمن قرأ له، وعاش له، وغاب في سبيله.