الملا جعفر الخياط
في أحد أحياء مدينة كركوك، المعروف باسم تسعين القديمة، حيث لا يسكنه إلا الكادحون، وُلد عام ١٩٣٠م صبيٌّ لأبٍ عُرف بين الناس بـ”الملا صادق”. لم يكن مولده يختلف عن غيره من أبناء المنطقة، لكن القدر كان يخبّئ له مسيرة مليئة بالصبر والعطاء.
نشأ الصبي في بيتٍ يتردد إليه أبناء الحي لتعلّم القرآن، إذ كان والده معلّمًا لهم. ومع مرور الأيام، تلقّى علومه الأولى على يد أبيه، فنهل من القرآن الكريم والأدب التركماني.
لكن الحياة لم تمهله طويلًا، إذ فقد والده وهو في التاسعة من عمره، ليجد نفسه يتيمًا يتحمّل مسؤولية البيت، وهو الأخ الوحيد لأختين. اضطر للعمل مبكرًا لإعالة عائلته، فاشتغل عند المهندس المرحوم إسحاق الموصلي، تاركًا مقاعد الدراسة وهو في المرحلة الابتدائية. غير أن مدرسة الحياة صقلته، فكان بإرادته الصلبة يتجاوز صعاب الأيام.
ومع تقدّم العمر، ظهرت عليه ملامح الذكاء والنبوغ، حتى قام بترجمة كتاب “الطفل بين التربية والوراثة” إلى اللغة التركمانية. كما برز خطيبًا ومحاضرًا، يلقي دروسه الدينية والاجتماعية في جامع محمد علي أفندي، ويشارك في المناسبات الإسلامية بقصائده المؤثرة.
ثم تعلّم مهنة الخياطة على يد الحاجة صبرية، برفقة صديقه عزالدين الخياط، وافتتح محلًا في منطقته. وكان زبائنه من المثقفين، الذين كانوا يستمتعون بشعره الذي يعكس عمق انتمائه لوطنه ومقدساته.
تزوج ورُزق بتسعة أبناء، منهم ثلاثة ذكور: محمد، نجات، وهدايت. لكن سنوات القمع في ظل حكم البعث جلبت له مآسي كبيرة، حيث فقد ابنه محمد جعفر، خريج كلية التكنولوجيا، كما استشهد أبناء أخته كمال جمعة وموسى جمعة بهرام، وصهره التربوي محمد علي خورشيد، ضمن موجة الإعدامات التي طالت خيرة أبناء المنطقة.
وبعد اشتداد الظلم، اضطر إلى الهجرة مع عائلته إلى أربيل، ثم إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث استقر في مدينة قم المقدسة. هناك، التف حوله الشباب والمهجّرون، فواصل رسالته التعليمية، ناشرًا الوعي والإيمان، ومواسيًا عوائل الشهداء.
كان قلبه معلقًا بتسعين الشهيدة، يكتب لها قصائده بدموع العين وقلبٍ مثقل بالألم. وفي الغربة، فقد زوجته العلوية عام ٢٠٠٢م، ودُفنت في مقبرة الشهداء في قم.
وبعد سقوط النظام، اشتاق للعودة إلى وطنه، لكنه لم يتمكن من تحقيق حلمه، إذ وافته المنية في حادث سير عند الحدود العراقية الإيرانية، قبل أن يلامس تراب مدينته. نُقل جثمانه إلى النجف الأشرف، ودُفن في وادي السلام، بجوار مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام)، في مقابر شهداء التركمان.
رحل الجسد، لكن الأثر بقي حيًا…
وسيظل اسم الملا جعفر الخياط خالدًا في قلوب المؤمنين، رمزًا للصبر والعطاء والوفاء.
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.